ابن كثير

209

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

واستولى على الممالك شرقا وغربا . وحملت إليه خزائن الأموال من سائر الأقاليم بعدا وقربا : ففرقها على الوجه الشرعي . والسبيل المرضي . ثم لما مات شهيدا وقد عاش حميدا . أجمع الصحابة من المهاجرين والأنصار على خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه شهيد الدار . فكسى الإسلام رئاسته حلة سابغة . وامتدت في سائر الأقاليم على رقاب العباد حجة اللّه البالغة . فظهر الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها . وعلت كلمة اللّه وظهر دينه . وبلغت الملة الحنيفية من أعداء اللّه غاية مآربها . وكلما علوا أمة انتقلوا إلى من بعدهم ثم الذين يلونهم من العتاة الفجار ، امتثالا لقوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [ التوبة : 123 ] وقوله تعالى : وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أي وليجد الكفار منكم غلظة في قتالكم لهم ، فإن المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقا لأخيه المؤمن غليظا على عدوه الكافر . كقوله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [ المائدة : 54 ] وقوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] وقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ * [ التوبة : 73 والتحريم : 9 ] وفي الحديث : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « أنا الضحوك القتال » يعني أنه ضحوك في وجه وليه قتال لهامة عدوه ، وقوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ أي قاتلوا الكفار وتوكلوا على اللّه واعلموا أن اللّه معكم إذا اتقيتموه وأطعتموه ، وهكذا الأمر لما كانت القرون الثلاثة الذين هم خير هذه الأمة في غاية الاستقامة والقيام بطاعة اللّه تعالى لم يزالوا ظاهرين على عدوهم . ولم تزل الفتوحات كثيرة ولم تزل الأعداء في سفال وخسار . ثم لما وقعت الفتن والأهواء والاختلافات بين الملوك طمع الأعداء في أطراف البلاد وتقدموا إليها ، فلم يمانعوا لشغل الملوك بعضهم ببعض ، ثم تقدموا إلى حوزة الإسلام فأخذوا من الأطراف بلدانا كثيرة ، ثم لم يزالوا حتى استحوذوا على كثير من بلاد الإسلام وللّه لأمر من قبل ومن بعد ، فكلما قام ملك من ملوك الإسلام وأطاع أوامر اللّه وتوكل على اللّه فتح اللّه عليه من البلاد واسترجع من الأعداء بحسبه وبقدر ما فيه من ولاية اللّه . واللّه المسؤول المأمول أن يمكن المسلمين من نواصي أعدائه الكافرين وأن يعلي كلمتهم في سائر الأقاليم إنه جواد كريم . [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 124 إلى 125 ] وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ( 125 ) يقول تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فمن المنافقين مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً أي يقول بعضهم لبعض أيكم زادته هذه السورة إيمانا قال اللّه تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ